قضايا و حوارات


كتب مدير التحرير
15 ديسمبر 2015 4:10 م
-
الحل في ليبيا ؛ بين أزمة القيادة ، و مشكلة الإرادة

الحل في ليبيا ؛ بين أزمة القيادة ، و مشكلة الإرادة

القيادة و الإرادة ، هما كلمتان أصليتان في القاموس الإنساني منذ ما يربو عن ثلاثة ألاف عام ، دُوّنت عنهما ألاف الكتب ، و نشرت فيهما ألاف المقالات و الدراسات ، و اجتهد الفلاسفة و أهل المنطق ، و تفنّن المفكرون و الكُتّاب وأهل العقل في إيجاد الصيغة المثلى لتعريف كل منهما . 
و لكن ولكي أتجنب الخوض في الجدليات ، سأكتفي بعرض الصيغة الأشمل و الاوسع لكل منهما ؛ 
فالقيادة تعريفاً :- هي عملية إلهام الأفراد ليقدمو أفضل ما لديهم لتحقيق النتائج المرجوة منهم . أما سياسياً فقد قيل انها القدرة على جعل شخص ما يقوم بفعل شيء ما ، لم يكن يفعله في ظروف أخرى . 
أما الإرادة ، و هي الدافع الحقيقي للتطور كما قال نيتشه ، فهي :- تصميم واعٍ على أداء فعل معين ، يستلزم هدفاً و وسائل لتحقيق هذا الهدف ، بالاضافة إلى العمل الإرادي لتحقيقه . 
و أقول اننا اذا نظرنا من زواية أخرى نستطيع القول بأن العلاقة إيجابية بين هاتين الصفتين ، فالتاريخ اثبت لنا ان الإرادة ، خصوصاً في حالة الامم و الشعوب ، مرتبطة بشكل مباشر مع وجود قيادة حقيقه قادره على التأثير في هذه الشعوب . 
وحتى لا يمل القارئ من طول المقدمة ، سأبدأ في سبر أغوار المشكلة ، محاولاً استقراء سبلٍ للحل .

ان التاريخ يخبرنا انه عندما تصاب الامم بالامراض و الأفات ، و تحاصر بالمشاكل و الأزمات ، فإن الشي الوحيد الذي يمكنه إنقاذها ، هو الإرادة الشعبية ، إرادة التغلب على الأزمات ، و رفض السلبيات ، و إرادة الاستمرار و المضي قُدماً في دفع عجلة التطور ، ولكن التاريخ يخبرنا أيضاً ان هذه الإرادة لطالما كانت " معطلة " ان صح القول ، حين لا توجد " قيادة "، قيادة حقيقية قادرة على التأثير في الشعوب ، و تحفيز ارادتها ، بل ان تاريخ بلادنا على وجه الخصوص يثبت لنا صحة هذا المفهوم ، بل وإن حاضرها الحالي لهو أكبر دليل على هذا ، فليبيا التي تحاصرها الأزمات على جميع الصعد ، وشتّى النواحي ، و تتصارع فيها قوى شتّى ، أثبتت الأيام انها بعيدة بشكل كبير عن الشارع ، حتى ان الشارع الليبي أصبح معها يمارس نوعاً من العصيان السياسي ، ويتفنن في السلبية المطلقة ، و عدم الاكتراث ، يمارس دور المتفرج و يكتفي بالترقب فقط ، بل لعلي لا أبالغ إذ أقول ان الشارع الليبي أصبح في حالة من الشلل التام . و اذا عدنا إلى بالزمن إلى الانتخابات السابقة سواء انتخابات هيئة الدستور ام انتخابات مجلس النواب و نسبة العزوف الكبيرة التي صاحبتها ، سندرك حجم الهوّة ، بين الشارع و قياداته السياسيه ، واذا نظرنا إلى حجم المشاكل الاجتماعية و القبيلة و حجم الشرخ الموجود بين المكونات الاجتماعية ، و عجز الكيانات القبلية التي تعتبر بشكل أو بأخر افضل من الكيانات السياسيه عن إيجاد حلول للحد من توسع الشرخ ، ندرك انه هناك فجوة كبيرة بين المجتمع و قياداته الاجتماعية أيضاً . 
هذه الأسباب و غيرها أدت إلى فشل سياسي و مجتمعي ، جعل من ليبيا دولة فاشلة و أفقدالمجتمع الليبي قدرته على مقاومة الأفآت التي ألمت به ، بداية من الاٍرهاب و الفوضى مروراً بالجريمة المنظمة و انتهاءً بالفساد الاداري و المالي . 
ولكن اذا ما أردنا إيجاد حل للوضع المزري القائم ، فلابد أولاً من وجود قيادة حقيقية قادرة على خلق توافق بين مكونات المجتمع هذا التوافق يؤدي إلى وفاق على الاقل فيما يخص متطلبات المرحلة الحالية ، ويفضي بِنَا إلى البدء في حلحلة المشاكل التي تعصف بالبلاد . 
فعلى سبيل المثال ان حلّ الملف الأمني ، و هو الملف الاكثر صعوبه في بلادنا ، غير ممكن دون الوصول إلى حالة من التوافق ، تضمن إسهام غالبية المجتمع أفراداً و قبائل ، في حل هذا الملف ، و لبلوغ حالة التوافق هذه ، لابد أولاً من وجود قيادة ، تمتلك رصيد من الثقه عند الشارع ، ولها القدرة و المقدرة على التأثير المباشر فيه ، وجعله يقوم بما لم يكن يفعله في ظروف أخرى .

وأقول ان تحريك إرادة الشارع ، و إنهاء حالة السلبية ، و دفع الناس للمشاركة في إنهاء الوضع الراهن ، يتطلب أولاً و قبل كل شي ، وجودة قيادة قادرة صادقة ، غير بعيدة عن أمآل و تطلعات الناس ، تمتلك تصور و رؤية لمشروع الحل ، و تحظى برصيد من الثقه مع المجتمع ، تستطيع من خلاله خلق التوافق الغائب ، و الوصول إلى الوفاق المنشود ، و تفضي إلى محاربة الاٍرهاب و الجريمة و الفساد ، ثم تنتقل إلى مرحلة جديدة ، تطبق فيها العدالة الانتقالية ، و توضع فيها أسس الدولة الحديثة التي ننشدها جميعاً . 
أقول ختما ، بما ان الحاضر هو الابن الشرعي للماضي ، و الغد هو استمرار متطور لليوم ، فإن الأقدار قد جعلتنا في موقف لا نحسد عليه ، موقف تقرر فيه مصائر الأجيال القادمة ، فإما ان يمضو ونمضي إلى المستقبل المشرق ، و اما نضيع و يضيعو ، بسبب سوء اختياراتنا .

وشكراً

عبدالكريم مسعود 
15\ديسمبر\2015 ف . 
بنغازي . ليبيا