قضايا و حوارات


كتب مدير التحرير
12 فبراير 2016 3:49 ص
-
الوجه المليشاوي للحالة الإسلامية في ليبيا...بقلم :د.عبدالمنعم اللموشي

الوجه المليشاوي للحالة الإسلامية في ليبيا...بقلم :د.عبدالمنعم اللموشي

ايوان ليبيا:

لم تتمكن الأحزاب الإسلامية في ليبيا من الظفر بشيئ يذكر في مقاعد المؤتمر الوطني عام 2012، وفوق ذلك تلقت صفعة أقوى في انتخابات عام 2014 بالمزيد من الخسائر الشعبية التي أظهرت مدى الفقر القاعدي للمجموعات والأحزاب ذات الشعار الإسلامي في ليبيا.. 

هكذا بدا المشهد السياسي في ليبيا غداة الإعلان عن نتائج صناديق الانتخابات في ليبيا...

 لكن الحواة الإسلاميين الليبيين لم يدخلوا هذه المعركة لكي يخسروا، ولم يدخلوها وجرابهم خاوية من البدائل وخطط الاحتيال السياسي، لقد دفعوا بمجموعات كبيرة من أتباعهم كمنتخبين مستقلين لكي يضمنوا من خلالهم تمرير مشروعاتهم السياسية، ولقد انخدع العوام بكثير منهم لما بدا لهم مظهريا من علامات الورع والتقوى والاستقامة، ولقد نجحت هذه الخطة تماما، مما جعل الأحزاب الليبرالية والأحزاب المدنية في حالات من الصراع العنيف داخل قاعة المؤتمر الوطني مع التيار الإسلامي ومشاريعه رغم ضآلة تمثيله الحزبي..!!!
 
وانسجاما مع حالة العسكرة الميليشاوية والجاهزية القتالية وسياسة لوي الذراع التي صبغت المشهد الليبي لم يغفل الإسلاميون عن التمكين لأكثر من ذراع عسكري مسلح ومدرب لاستخدامها كقوة ضاربة ومرعبة حين الحاجة إليها.. وهذه كانت الخطة البديلة للفوز بمناصب ومكاسب السلطة في حالة إخفاقهم في معركة الصناديق الانتخابية، وهو ما استدعت الضرورة الحسم الاستعانة بتلك القوة في أكثر من مناسبة مما أسفر عن نجاح ساحق حتى الآن للتيار الإسلام السياسي في ليبيا مكنه حتى الآن من السيطرة على عاصمة البلاد وكثير من مفاصل الدولة الحيوية.

ان الأجسام السياسية للقوى الإسلامية في ليبيا تنوعت بين الإخوان المسلمين والجماعة المقاتلة وأنصار الشريعة وأخيرا تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" كلها تتوفر على عدد من الميليشيات المسلحة المطعّمة بعناصر غير ليبية التي تتحرك بقوة على الأرض لتنفيذ مشاريعها وتحقيق رؤاها وأفكارها... وهو ما تبدى في كثير من المواقف التي تمثلت في محاصرة مقار عدد من الوزارات واقتحامها وكذلك مقر المؤتمر الوطني واقتحامه والاعتداء على عدد من أعضائه، لإرغامهم على القبول بقانون العزل السياسي مثلا.

وهذا ما حدا بالمجتمع الدولي أن يمالئ هذه الجماعات والأجسام رغم عدم اعترافه بشرعية حكمها ويحاورها ويجالسها ويفاوضها ويقدم لها التنازلات ويمنحها الكثير من الامتيازات من أجل عدم الاصطدام بها ليقينه بمدى تغولها في حالة الاشتباك معها.

ان الحالة الإسلامية السياسية والعسكرية في ليبيا قد أظهرت تميزا مختلفا بكل تموضعاتها عن جارتيها في مصر وتونس الذين جميعهم انبثقوا من ما صار يعرف بثورات الربيع العربي ، ذلك أن الإسلام السياسي في كل من مصر وتونس جلس متربعا ومطمئنا متأكدا من أن نتائج الانتخابات ستمنحه ترتيبا متقدما ومريحا على غيره من المنافسين فيما كانت الصورة مختلفة تماما في المشهد الليبي حيث باء الإسلام السياسي بمكوناته المختلفة بخسائر فادحة كشفت هشاشة قاعدته الشعبية..

وفيما كان شعار " الإسلام هو الحل " قد أخذ بيد كل من حركة النهضة في تونس وحزب الإخوان المسلمين في مصر إلى سدة الحكم فان ذات الشعار قد فاقم الأزمة ليجعل من الإسلام جزءا من المشكلة مبعثرا كل الحسابات وقالبا إياها رأسا على عقب في مجتمع لم يختبر بعد مثل هذا النوع من الدهاء والدهقنة السياسية والبرجماتية الدينية والدكتاتورية الثيوقراطية.
ورغم أن الإسلام السياسي انتصر ابتداء في كل من مصر وتونس في المعركة السياسية، و خسر معركته الانتخابية في ليبيا، إلا أن التطورات اللاحقة جاءت بنتائج مذهلة لم تكن في حسبان كثير من المحللين والمتابعين.
شهر عسل الانتصار لم يدم في مصر وتونس حيث سقط النموذج السياسي للإسلام في مصر رغم الشعبية التي يتكئ عليها، وترنح في تونس بفعل الأداء الرديء للحكومة الإسلامية في معالجة الاستحقاقات التي كان الشارع يتطلع إليها...

لكن القوة العسكرية، ومبدأ الانتصار بالرعب، جعلت المعادلة تنقلب تماما في ليبيا..
 
إذ انه في تطور لافت أظهرت القوة العسكرية للإسلام السياسي الليبي قدرتها المتمكنة من حسم الإخفاق الذريع الذي منيت به الأحزاب الإسلامية السياسية في معركتها السياسية في انتخابات عام 2014 من خلال رفضها لنتائج الانتخابات وضغطها على المحكمة العليا لإصدار قرارها بعدم شرعية مجلس النواب المنتخب الذي اتخذ من مدينة طبرق مقرا له بفعل افتقاده للقوة العسكرية اللازمة لحمايته وتأمينه في كل من طرابلس أو بنغازي التي مازالت تشهد معارك عسكرية ونزالا مسلحا بين قوة الجيش وقوى أنصار الشريعة ومجلس الشورى المحلي لمدينة بنغازي.

ان هذه القوة العسكرية الضاربة هي التي تمكنت من السيطرة على العاصمة طرابلس بعد إطلاقها لعملية فجر ليبيا وقسورة في منتصف العام 2014 لتعيد المؤتمر الوطني المنتهية ولايته لكي يتصدر المشهد السياسي من جديد وليشكل حكومة إنقاذ تضمن للقوى الإسلامية تسيّدها على مناطق نفوذها.

ورغم إن المجتمع الليبي متجانس دينيا من حيث الانتماء المذهبي الإسلامي إلا أن شعارات تطبيق الشريعة الإسلامية التي تحشر بقوة في كل المناسبات وبإشارات قوية تشكل إيحاء بأن هذا المجتمع يجب إعادة أسلمته من جديد..

ورغم أن هذا المجتمع يخلو تماما من الصراعات الدينية والمذهبية، ولا يبدو أن هناك مؤشرات أو فرصا سانحة لتأجيج الاختلافات المذهبية التي قد تتناثر هنا وهناك على نحو يعكس حالة التعايش المذهبي بعيدا عن العصبية بين الجميع..

بيد أن فرص إقامة دولة دينية بالمفهوم الثيوقراطي للسلطة في ليبيا تبدو ضئيلة جدا، لعدة أسباب يسهل اكتشافها لكل المحللين والمراقبين منها غياب الرؤية الموحدة بين هذه التيارات، وتباين مواقفها بل وتضاربها حول الشكل المتوقع للنظام السياسي الذي ستكون عليه ليبيا، وافتقار هذه التيارات للتنظيم الجيد الذي يؤهلها لإدارة دولة وتسيير حكومة عدا كونها مؤهلة تماما في إنتاج مشاريع الشهادة وقوافل الموتى إلى السماء، ونجاحها في إعادة تسويق الخطاب الديني القديم بأثوابه الرثة وأسماله البالية كتميمة وتعويذة مقنعة للخروج من أزمات العصر الحديث.

وتبقى كلمة فصل وحسم في المستقبل السياسي الليبي معلقة بالتيار الإسلامي المتشدد المغالي في تطرفه إلى الحد الذي يعتبر فيه العملية الديمقراطية وصناديق الانتخاب حالة من حالات الكفر، ويعتمد الحاكمية لله مسألة غير قابلة للنقاش أو المراجعة ، ويتحرك بقوة واندفاع نحو السيطرة على المدن والمناطق في مشهد يعيد للأذهان حركة الفتوحات الإسلامية العسكرية إبّان القرن السابع والثامن الميلادي.

أما القوى الأخرى التي تتمتع بحظوظ شعبية أوفر من التيارات الإسلامية في ليبيا فإنها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما المواجهة العنيفة والمسلحة أو الخروج في حشود جماعية ضخمة تحاصر الجماعات الإسلامية سلميا وتجبرها على الخضوع للإرادة الشعبية للمجتمع.