قضايا و حوارات


كتب مدير التحرير
6 مارس 2016 2:13 م
-
ثقافة النخبة وثقافة العوام ... بقلم / عبدالمنعم اللموشي

ثقافة النخبة وثقافة العوام ... بقلم / عبدالمنعم اللموشي

ايوان ليبيا:

ثقافة النخبة وثقافة العوام ... بقلم / عبدالمنعم اللموشي 
 
هو كلام نخبوي الحديث عن الثقافة والمثقف - بفتح القاف- والمثقف - بكسر القاف- والمشروع الثقافي .. هو حديث نوعي لا يخوض فيه الكثيرون إلا من أوتي حظا من العلم ونصيبا من المعرفة وقدرا من الاطلاع وقدرة على إعمال الفكر والعقل والتدبير...غير أن إشكالية في هذا المصطلح وملحقاته وتوابعه مازالت تبعث حالة من حالات القلق والتوجس والإحباط في حقيقة وأصالة من يتكلم في هذا الحقل المعرفي الخطير.

الثقافة في مفهومها العام تعني هي ذلك الكل المتضمن الأخلاق والعادات والتقاليد والعقائد والأفكار والقوانين والمعارف والفنون والسلوكيات والمهارات وطرائق العيش التي تعطي الشكل الواضح لشخصية كل إنسان، وتمنحه تعريفا ثقافيا واضحا لملامحه التي يتميز بها.

لن استغرق هنا في البحث عن الأصل اللغوي للثقافة التي لا يشذ المعنى فيه عن المفهوم العام وسأكتفي بما قالته المعاجم التي تجمع على أن كلمةثقفه تثقيفا تعني سواه، وثقف الرمح بمعنى سواه وقومه وأعطاه شكله وملامحه..

ووفقا لهذا التعريف الاصطلاحي واللغوي الذي يجمع عليه معظم المشتغلين والمهتمين بهذا الحقل فانه لا يوجد إنسان ليس له حظ من الثقافة، وتمسي عبارة " هذا شخص غير مثقف "  عبارة ساذجة وسطحية ولا تستند إلى أي معيار ثقافي حقيقي.

إن اختزال ماهية الشخص المثقف فيمن امتلك قدرا أو نصيبا من القراءة والاطلاع والإلمام ببعض المعارف أو امتلك قدرة على حسن صياغة الكلام أو الكتابة هو اختزال معيب ومخل ويهتك التعريف العام للثقافة ويمزقه كل ممزق.

ورغم تعدد وتباين المفاهيم والتفاسير لمصطلح الثقافة من الكاتب الإنجليزى ماثيو آرنولد والفيلسوف توماس هوبس  ولويس هنرى مورغان والفرنسي جان جاك روسو والبريطاني إدوارد تايلور والفيلسوف الالماني ايمانويل كانط صاحب الحركة الرومانسية .. فان الثقافة في صورتها النهائية تظل هي الحالة التي تصبغ كل جماعة بشرية بخصائصها ومميزاتها مع كل التنوع والاختلاف الذي ينشأ داخلها.

وعلى هذا، ومن هنا سأنطلق في التنبيه إلى قضية مهمة لم تنل نصيبها من الاهتمام أن الثقافة ليست حكرا أو قاصرة على فرد معين أو مجموعة بعينها وإنما هي حالة تخص كل الموجودات .. البشر وغير البشر الأحياء منهم وحتى الأموات...

لكل البشر ثقافتهم عبر العصور وعلى مختلف انتماءاتهم وأعراقهم وفي كل أطوارهم من الطفولة وحتى الشيخوخة فيقال ثقافة الطفل وثقافة الشيوخ حتى أننا نكاد نسمع من بعض علماء الطب عن ثقافة الجنين وهو في رحم أمه حين الحديث عن تصرفاته وسلوكياته وانفعالاته وردود أفعاله وهو في بطن الغيب..
وللحيوانات أيضا ثقافتها العاشبة واللاحمة ، الأليفة منها والمتوحشة، وبيئتها تحكي لنا عن ثقافة الغابة وعالم الحيوانات ... وفي ذلك يرى ماكجرو مفهوما لكلمة ثقافة مبنيا على فكرة وجوب الاستفادة العلمية من دراسة ثقافة الحيوانات الراقية.... وقد لاحظ بعض العلماء من غير الأنثربولوجيين، مثل روبرت يركس وجين غودال  أنه طالما أن حيوان الشمبانزي قد تعلم بعض السلوكيات، فبالتالي فلديهم قدر من ثقافة ....
 
حتى الأموات الذين خرجوا من دائرة الفعل في هذه الحياة وقد يخال البعض أنهم انتقلوا إلى خانة الفناء نجد كثيرا من الأدبيات المتعلقة بحضورهم في عالم الأحياء وسيطرتهم على كثير من التصرفات والسلوكيات وإدارتهم للأشياء حتى وهم رهن قبورهم... إنها ثقافة متعلقة بعالم الأموات وشخوصه !!
إذن البشر كلهم مثقَّفون صغيرهم ويافعهم وكبيرهم، الأمي منهم والمتعلم، وغيرهم من المحيط بهم مثقَّفون أيضا، ولهم خصائصهم التي اكتسبوها والتحفوا بها وقدموا بها أنفسهم أو عرفناهم بها من خلالها، وصرنا مدركين لأفعالهم وتصرفاتهم بسبب من ذلك.

لقد اتفق العلماء على تضمين مفهوم الثقافة علم الانثروبولوجيا وهو علم يتعلق بدراسة تصرفات وسلوكيات الإنسان كفرد وكمجموعة بشرية، و يدور بحث بشأن الثقافة بين مركزين لعلماء الانثروبولوجيا البيولوجية حول اثنين من المناقشات:  ثقافة الإنسان الفريدة من نوعها أو بالمشاركة مع الأجناس الأخرى ...
كما وجدنا من يتكلم عن ما صار يعرف بـ علم الإنسان الثقافي أو الأناسة الثقافية ( : Cultural anthropology)وهو علم يتفرع  علم الإنسانالعام، ويهتم بدراسة الثقافة من جوانبها المختلفة حيث يركز على دراسة بناء الثقافات البشرية وأدائها لوظائفها في كل زمان ومكان. يهتم دارس الاناسة الثقافية بجميع الثقافات لأنه يسهم في الكشف عن استجابات الناس نحو مشكلات الحياة والعمل...

اذن من هم المثقفون الذين يشار إليهم دائما بالأصابع قدحا أو مدحا في إحداث أثر ما في صيرورة الحياة، ومن هو المثقف الذي يراهن عليه الجميع ويتطلع إليه اليائسون بكثير من الأمل والشغف لإنقاذهم مما هم فيه .. ويلقون على عاتقه مهمة القيادة والريادة وتقدم الصفوف نحو الآفاق المسدودة...
إنهم المثقِفون بكسر القاف وانه المثقِف بكسر القاف ... انهم الفاعلون في مجال الثقافة، وانه الفاعل في عالم الثقافة ... انهم المعلمون لا المعلَمين أو المتعلمين... انه الذي بما امتلك - مع غيره - من قيم الحق والخير والسمو والفضائل والقدرة على تجسيدها صار منارة إشعاع لمشروع ثقافي وحضاري راق مؤهل لأن ينقذ الإنسانية مما تعانيه من بؤس وشقاء واعتداء واستغلال واستعلاء.

ان المثقِف هو صاحب المكانة الحقيقية المميزة والأثيرة داخل المجتمع الإنساني...

المثقِف حالة إنسانية بحثه لن نجدها في غيره من الكائنات... لأنه صاحب فعل وذو قدرة توجيهية للآخرين أفرادا وجماعات...
المثقِف هو المعلم الكبير في مسيرة الإنسان التائهة وهي تتلمس مقاصدها.

ان الذين يتقدمون الصفوف ويقودون الجموع ويقدمون الحلول ويقترحون البدائل ويزيلون الغبش الذي يغشى العيون ويكشفون الزيف ويرسمون للإنسانية سبيل خلاصها وينيرون لها الدرب لكي تشق طريقها نحو الحلم ونحو الأمل هم المثقِفون لا المثقَفين...

في القضية الثقافية برمتها يبرز المشروع الثقافي الانساني على قمة القيم النبيلة التي تسيطر على الوجدان الانساني، وان المشروع الثقافي الذي يتبدى في عناوينه العريضه بالقيم المطلقة المنحازة للحق والعدل والخير والسلام والتسامح والمحبة والتعايش السلمي بين الناس والتعاون والتآزر والتمسك بمبادئ الفضيلة الرافضة للشر والظلم والحروب والعدوان والكراهية والاستغلال والابتعاد عن الرذائل ... هذا المشروع في حاجة الى من يترجمه عمليا في حياة الناس، في حاجة الى من يجعل له تفاصيل بسيطة يمكن الاقتداء والتأسي بها، في حاجة الى أدوات تجعله قادرا أن يمشي بثقة وسط الناس لا أن يكون مجرد حلم طوباوي يرفرف في سماء الأحلام والأوهام، ويداعب خيال الحالمين والمحرومين.

هذا المشروع لكي يرى النور في حاجة إلى فاعلين، إلى معلمين، إلى مثقِفين، لا إلى مفعول بهم، لا إلى مثقَفين يستعرضون على الناس حجم المعارف والمعلومات والكتب والموسوعات التي سكبت - كما الأوعية - في رؤوسهم.

من هنا وجب التصويب ووجب التصحيح وتحرير اللغة العربية على الأقل من الاستخدام غير العلمي وغير الدقيق لمصطلح أصحاب الفعل في مجال الثقافة وكأنهم مفعول بهم... ولربما وجب على اللغات الأخرى أن تفعل الفعل نفسه بأن يتحول المثقِف من Educated إلى  Educator
ان المفردة قد تبدو ثقيلة على اللسان لكنها يجب ان تفرض نفسها وبقوة وبلا تردد على كل من يتحدث بها .. إذ لا يجوز ولا يمكن القبول الحديث عن المعلم الذي ينير العقول ويزيل ظلمات الجهل والأمية بمفردة المعلًّم.. انه معلِم وليس معلَّم.

وما لم يدرك المثقِفون الفاعلون الفرق بين أن تكون فاعلا أو مفعولا بك، الفرق بين أن تكون متميزا عن الآخرين بما تفعله وليس بما يفعل بك، فان مسافة بعيدة ومضنية مازال على البشرية أن تقطعها لكي تهتدي بسفينتها إلى مرافئ أمانها واطمئنانها.