قضايا و حوارات


كتب مدير التحرير
24 مارس 2016 7:28 م
-
بعد مهاجمة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في عُقر الدّار، عاصمة أوروبا تحت رحمة الانغماسيّين.. هل سينتهي الإرهاب من أوروبا؟

بعد مهاجمة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في عُقر الدّار، عاصمة أوروبا تحت رحمة الانغماسيّين.. هل سينتهي الإرهاب من أوروبا؟

بعد مهاجمة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في عُقر الدّار، عاصمة أوروبا تحت رحمة الانغماسيّين.. هل سينتهي الإرهاب من أوروبا؟ ... بقلم / محمد الامين

على الرّغم من أن بروكسيل ومعظم العواصم الأوروبية الكبرى تعيش حالة طوارئ فعلية ومنطقية منذ هجمات باريس الأخيرة في نوفمبر 2015..
وعلى الرغم من مستوى التّأهّب العالي (الدرجة الرابعة والأعلى على الإطلاق) والجاهزية الكبيرة للأمن البلجيكي بعاصمة الاتحاد الأوروبي.. التي هي عاصمة حلف شمال الأطلسي كذلك!!

وعلى الرّغم من حال الاستنفار الحدودي بين فرنسا وبلجيكا، ناهيك أن 6 مليون أوروبي تم استجوابهم عند الحدود الفرنسية البلجيكية منذ عمليات باريس.. ورفض دخول 10.000 منهم بسبب شكوك أمنية أو معلومات منقوصة بالمنافذ..

على الرغم من هذا كلّه، فقد هُوجِمتْ بروكسل بشكل أكثر دراماتيكية ووحشية من باريس.. هُوجِمتْ في مفاصل حيوية ممّا أدى إلى شلل كامل بالمدينة وحالة إغلاق بكافة مرافقها ومؤسساتها.. وهذا يطرحُ أكثر من سؤال حول مدى قدرة الدول الغربية على تحمُّل أحوال الطوارئ والاضطرابات!! أقول هذا لأننا قد اعتدنا ببلداننا على ما هو أشدّ وأقسى.. اعتدنا على الفوضى والدمار والخراب.. ولا بواكِي لنا من الغرب أو من غيرهم..

على أية حال.. فقد تبيّن أن أجوارنا في الضفة المقابلة للمتوسط لم يتأقلمُوا بعدُ مع أجواء الفوضى المنتشرة ببلدانهم والتي يبدو أنها سوف تستوطن بمدنهم وشوارعهم، لا أقول هذا شماتة ولا نكاية بهم، رغم أنهم يستحقّون ذلك، لكن عجز منظومةٍ وكيان ضخم كالاتحاد الأوروبي بكافة إمكانياته وطاقاته وموارده وخبراته أمام "أفراد" يجعلك تلتمس العُذر لأجهزة بعض بلدان العالم الأخرى في الشرق والغرب والتي تُعاني الكثير بسبب الإرهابيين و"الإنغماسيّين".. وتكتشف في مكان ما أن هنالك قصورا كبيرا في التنسيق بين دول الاتحاد، حيث تستمع إلى خطاب سياسي ودبلوماسي واحد، لكن العمليات التي تحدث هنا وهناك توحي لك بأن ما تراه من تنسيق ظاهر لا يشمل المعلومة الإستخبارية ولا العمل الأمني أكان على المستويات الثنائية أو متعددة الأطراف داخل منطقة الاتحاد..وأسباب هذا التنسيق مختلفة، منها القانوني ومنها الأمني ومنها غير هذا ولا ذاك..

والتساؤل عن أسباب مثل هذا الإخفاق يضعُنا أمام حقائق كثيرة، أوّلها أنه على الرغم من الكيان السياسي الواحد والفضاء التجاري والاقتصادي الواحد، فإن مصالح الدول الأوروبية ليست واحدة.. ومشاكلها ليست واحدها كذلك.. فهي ليست كلها متورطة في تدخلات خارجية تجلب لها نقمة الداخل أو الخارج.. ولأن هذه التدخلات تجلب الإرهاب في أحيان كثيرة، فإن دول أوروبا الشرقية حديثة الانضمام إلى الاتحاد، أو بعض الاتحاد السوفييتي السابق الأعضاء بالاتحاد الأوروبي لا تواجه –منطقيا- مشكلة إسمها الإرهاب، وهو بالتالي ليس أولوية من أولويات سياساتها الأمنية أو العسكرية وهي التي تشكو هموما تنموية واقتصادية لا حصر لها.. وهذا الاختلاف على مستوى الأولويات والتحديات، يجعل من الصعب وضع مقاربة موحّدة لمواجهة الإرهاب، ويعوق بناء إستراتيجية أوروبية موحدة للتعاطي معه كمشكلة رئيسية..
أما إذا شئتَ الحديث بشكل هادئ عن واقعة اليوم على سبيل المثال.. فلنتساءل أوّلا عن الإرهابيين المفترضين الذين قاموا بتنفيذ جرائم بروكسيل اليوم.. هذا ضروري باعتبار أن الجهة الأولى التي يتم توجيه أصابع الاتهام إليها عادةً هي العرب والمسلمون.. ثم من الطبيعي ككلّ مرّة أن ينطلق ما يسمى بتنظيم داعش إلى تبنّي الجرائم والاحتفال بها!!

فمن هم الإرهابيون في بلجيكا أو أوروبا؟ هل هم مسلمون أم عرب؟؟ هذا ممكن..

لكن الصفة الأكثر دقّة هي أنهم مواطنون أوروبيون وُلِدُوا وترعرعُوا ببلدان أوروبية.

كما أن المؤكد والثابت على ألسن الأوروبيين أنفسهم، ومن خلال تحليلات نُخبِهِمْ ومفكّريهم، أن الدين ليس العامل الرئيسي الوحيد المحرك للنزعة الإرهابية عند الشباب الأوروبي ذو الأصول الأوروبية أو المغاربية أو العربية.. فحيّ مولنبيك ببروكسيل مثلا، والذي يعتبر من أشدّ أحياء القارة الأوروبية فقراً، وينحدر منه معظم الإرهابيين والمتشدّدين، هو حي مهمش يعيش أهله الحرمان في قلب عاصمة الاتحاد الأوروبي الرخي المزدهر الذي يستضيف مئات آلاف اللاجئين وينفق عليهم مئات الملايين ويحرم منها مواطنيه.. والذي يخوض الحروب والنزاعات العسكرية التي تكلّفه مليارات الدولارات خارج الديار..

هذه إحدى وجهات النظر التي تجعلك تدرك مدى عمق النقمة التي تعتمل بصدور هؤلاء إزاء دولهم.. أكانت بريطانيا أو بلجيكا أو فرنسا.. أو غيرها من الدول التي تتدخّل بالخارج وتنفّذ سياسات تجرّ لها النقمة وتجلب لها السُّخط دون أن تحسب حسابات جبهتها الداخلية أو قواعدها الشعبية.. 

ويتبيّن لك حينئذ أن الزّجّ بالعامل الديني رغم أهميته لا يعدو أن يكون أكثر من عقار مُسكّنٍ، واستخدامه لا يخلو من توظيف لتبرير الإخفاقات.. لأن تأثير الدين في هؤلاء الشباب الذين ينفذون عمليات إرهابية نسبيّ ومحدود، خصوصا وأنهم عاشوا كل حياتهم بأوروبا بعيدا عن الالتزام الديني أو الوعي بقضايا العالم العربي والإسلامي.. فمعظمهم شباب مقبلون على حياة المجون والخمور والمخدرات وتُحَركُهم مشاعر النقمة جراء التّفاوت وعدم تكافؤ الفرص والفوارق الاجتماعية، وخصوصا فشل سياسات دولهم في مسألة تأمين إدماجهم داخل مجتمعاتهم.. والتمييز العنصري الشديد الذي يجعل كثيرين منهم لا يعرفون ما الذي يوجد خارج أحيائهم السكنية الفقيرة، ولا يغادرونها إلا مرّات قليلة طوال حياتهم!! بل أن بعضهم لا يغادر حدود الشارع الذي يوجد به بيتُه بدافع الخوف من الاعتداءات العنصرية أو الاعتقال على الهوية ولمجرد الاشتباه..

معظم هؤلاء لا يتحدّثون اللغة العربية ولا يرفون شيئا عن الدين الإسلامي.. لكن ما يتعرضون إليه من تهميش وما يعيشونه من فقر يجعلهم هدفا سهلا لمن يقومون بتجنيدهم.. وقد يدفعهم جهلهم ونفوسُهُم المضطربة إلى الاستسلام السريع للنزعة العدوانية التي يحرّكها فيهم الحرمان والتهميش في المجتمع الأوروبي..
صحيح أن داعش قد تبنّى جرائم بروكسيل اليوم.. لكن الصحيح والمؤكّد كذلك أن لا أحد من أهل الحكمة أو العلم أو العدل يمكن أن يتحدّث عن إسلام داعشي أو داعش مسلمة..والفرق بين الاثنين قد صار معلوما ومفهوما للجميع.. فليس الإرهابيون أو "الانغماسيون" غير أفراد ذوي وعي سطحي يجري تجنيدهم بطرق بدائية وبسيطة من خلال مقاطع فيديو أو فتاوى أو حتى صور أو عبر مواقع الدردشة أو صفحات التواصل الاجتماعي.. ثم ينسحب المُجنّدُ ويترك أمر التنفيذ وأسلوبه ومكانه للإنغماسي المشحون بالغضب والنقمة وبقليل من "التدين" الخالي من أي مضمون عميق أو حتى شكل ظاهر..

إن البيت "الأمنيّ" الأوروبي بصدد الانهيار لأن مَوَاطِن قصوره الكثيرة تزداد يوما بعد يوم.. والانكشاف يتفاقم.. ولأن تنافر المصالح وغياب وحدة المقاربة ووحدة الهدف والأدوات هي التي ستجعل الإرهاب يستوطن ببلدان الاتحاد المهدّد في وجوده اليوم أكان بتدفّق المهاجرين، أو بالعمليات الإرهابية أو السياسات الاقتصادية الحمائية التي بدأت تنصرف إليها بعض الدول الأعضاء، أو بالتهرّم السكاني وتغيّر البنية الديموجرافية غير الخافي على ذوي الدراية..

إن الإرهاب لن ينتهي في أوروبا ما لم تتم معالجة أسبابه.. ولن تتمّ معالجة أسبابه حتى تصارح أوروبا نفسها بدورها الحقيقي في إنتاجه بالداخل والخارج.. ولأن مصارحة النفس تعني من بين ما تعنيه الاعترافَ بالخطأ في حق الغير، فسيمضي بهم قطار العناد بعيدا عن الحلّ، وبعيدا عن المعالجات الواجبة والضرورية في المناطق المجاورة لأوروبا قبل الداخل الأوروبي. وللحديث بقية.

بقلم / محمد امين