قضايا و حوارات


كتب مدير التحرير
25 أبريل 2016 9:23 ص
-
ملهاة النخبة التائهة ... بقلم / عبدالمنعم اللموشي

ملهاة النخبة التائهة ... بقلم / عبدالمنعم اللموشي

ايوان ليبيا:

للنخبة تعريف واحد رغم تباين التفاصيل..
النخبة هي المجموعة المتميزة عن الآخرين بفعل مواهبها الخاصة،  بغض النظر عن حجمها وان بدت أنها صغيرة، لكنها مؤهلة أن تتمدد وتتضخم بفعل كونها مفتوحة لانضمام عناصر جديدة إليها تتوفر على ذات المواصفات.
التميّز عن الآخرين، والقدرة على التنظيم والفعل، هو ما يعطي للنخبة أهميتها وقوتها وفعاليتها داخل المجتمع.
النخبة تتمتع بإمكانيات ومؤهلات ذاتية وخاصة، مما يجعلها في غير حاجة إلى قرارات خارجية لفرزها أو تشكيلها أو الإشارة إليها إلا ما نذر.
وبالتالي فان النخبة تعني مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة من غيرهم في مجال تخصصهم ونشاطهم، والأكبر تأثيرا، والأسرع استجابة لمقتضيات الفجأة، وهم صمام الأمان الدائم للمجتمع بسبب ما نبغوا فيه...
هذا هو المفهوم العام للنخبة..
وتتعدد النخب داخل المجتمع، بتعدد فروع ومجالات ومناشط ووظائف الحياة:
فهناك النخبة السياسية ، والنخبة الاقتصادية، والنخبة العلمية ، والنخبة العسكرية، والنخبة الدينية، والنخبة الاجتماعية، والنخبة الرياضية، والنخبة الثقافية.... إلى آخر ذلك من تفرعات وتخصصات ومجالات الحياة.
النخبة، حالة ضرورية لكل مجتمع إذ لا يمكن تصور أية حركة للمجتمع بمعزل أو منأى عن تفكير وعمل ومبادرة ومبادأة النخبة وجسارتها..
النخبة الثقافية في ليبيا – موضوع اهتمامي -  يكاد لا يكون لها وجود مؤسساتي مادي بالمطلق.. وإنما هناك شخصيات ثقافية تتناثر شذرات هنا وهناك ، يعيبها أنها تفتقد تأثيرها في شارعها، ليس لها القدرة على تحريك مجتمعي حقيقي في محيطها باتجاه قيمها الثقافية..
الليبيون العاديون على مختلف مشاربهم يشعرون بأن نخبهم يمثلون حالة من الترف الفكري أو الثقافي غير اللازم لمعيشتهم المنصرفة تماما للكسب المادي والمنشغلة بمسائل المال والتجارة ومضاعفة الأرصدة والتنافس فيما بينهم لتحقيق اكبر قدر من الرفاهية المادية المباشرة..
لم تستطع النخب الثقافية في ليبيا أن تفرض إيقاع فكرها، ونمط حياتها، وأسلوب حركتها على مشهدية الواقع الليبي، ولم تفلح أن تقدم منهجا أو برنامج عمل يهدف إلى إحداث نقلات نوعية في مناهج التفكير، وأساليب الحياة، بقدر ما استطاع الشارع أن يستميل النخب الثقافية إلى مشاغله وهمومه وطرائق حركته نحو غاياته المادية المباشرة...
لربما ليس يعيب النخب المثقفة أن تنشغل بهموم الناس وتستغرقها، لكن العيب أن تصبح مشاغل الناس وما ينتجونه من طرائق وأساليب بعفويتهم وبدائيتهم هي القائد والمرشد والدليل للنخب في حركتهم الحياتية رغم كل ما يعتورها من شبهة الغش والاحتيال والاتكالية والانتهازية والابتزاز...
كثيرا ما وجدنا مؤلفي كتب، وفنانين " أغنية، رسم، مسرح، الحان، وصحفيين وإعلاميين يلهثون وراء الأعمال التجارية والمكاسب المادية السريعة ويتنازلون مقابل ذلك عن كثير من قيمهم التي يدعونها ويترجمونها في أعمالهم الأدبية والفنية.. بل يصل الحد ببعضهم إلى المخاصمة حد الفجور في الابتزاز والاحتيال والتزوير والمشاحنة لنيل اكبر نصيب من العوائد المالية على أعمالهم..
فضلا عن ذلك تجد آخرين ارتضوا أن يكونوا مجرد أبواق وأدوات ليس للسلطة الحاكمة – لربما التمسنا لأولئك عذرا – ولكن للتافهين من ذوي النفوذ والمال والأعمال يحركونهم ويوظفونهم كيفما شاءوا وأرادوا...
لكن النخبة المثقفة الحقيقية والجادة فصيل حربي متقدم في مجاله.. وتنتزع مكانتها بجدارة واستحقاق كونها مصدر الهام للجموع ... وتاريخيا نجحت في تغيير العالم في أسوأ الظروف وأحلكها وأنتجت روائع المشاريع الانسانية...
أما النخبة الثقافية المترفة المترهلة فهي من تلتمس الأعذار كي لا تفعل شيئا..
الحراك الثقافي داخل الأوساط الليبية أشبه ما يكون حركة داخل بحر من الرمال المتحركة، كلما تحركت فيها غصت أكثر.. تمنحك شعورا بتميز ما، لكنه تميز يبتعد بك أكثر عن ما هو مأمول منك.. يجعل لك متابعين ومهتمين ، متابعتهم لك واهتمامهم بك نابعان من كونك صرت نجما أو مشهورا مجتمعيا.. إنهم لا يقتربون من فكرك ولا من مشروعك الثقافي ولا ينصتون بعقولهم لكلماتك كيف ما صدرت عنك..
لليبيين هوس من نوع خاص بالنجوم، يتطلعون إليها، ولربما تحلّقوا حولها، علّهم يحظون منها بشي يطربهم، لا بشي يحملهم مسئوليات وأعباء وتضحيات ومعاناة.
من هنا وجدت النخب الفكرية والثقافية في ليبيا نفسها في مأزق حقيقي أمام حالة مجتمعية متأزمة جدا، بقدر ما تقترب منها لانتشالها مما هي فيه بقدر ما زادت قبضتها عليك وجذبتك نحوها، كما تفعل العنكبوت عندما تعلق في شباكها، وهو ما جعل النخبة الليبية تستسلم لغواية المجتمع،  كما يستسلم المتعاطي للفافة المخدر والمغيبات العقلية ويتوه في غياهبها معها.
لقد سقطت النخبة الثقافية والفكرية الليبية أمام امتحان التعصب القبلي.. وسقطت أمام الامتحان القيمي الداعي للعمل والإنتاج والجد ونبذ الاتكالية والاستهلاك، وفشلت في امتحان إعلاء القيمة الوطنية والاعتزاز بالأصالة والمكوّن الوطني، ولم تقدر شيئا أمام الغزو الثقافي الوافد عبر الحضارات الغربية المنتصرة..
لقد انتصرت ثقافة الشارع على ثقافة النخبة، وصار الشارع هو المحرّك، وهو الممسك بدفة قيادة المجتمع نحو مسالك بلا خرائط تفضي لشي...مسالك لا تقود إلا إلى التيه لا غير.
إذن أين هي النخبة الثقافية التي يشار إليها دائما بالأصابع قدحا أو مدحا في إحداث أثر ما في صيرورة الحياة، وأين هي تلك النخبة التي يراهن عليها الجميع، ويتطلع إليها اليائسون بكثير من الأمل والشغف لإنقاذهم مما هم فيه .. ويلقون على عاتقها مهمة القيادة والريادة وتقدم الصفوف نحو الآفاق المسدودة...
أين هي النخبة التي بما امتلكت من قيم الحق والخير والسمو والفضائل، وبما يفترض أنها قادرة على تجسيدها لتكون منارة إشعاع لمشروع ثقافي وحضاري راق مؤهل لأن ينقذ الإنسانية مما تعانيه من بؤس وشقاء واعتداء واعتلال واستغلال واستعلاء.
إن النخبة الثقافية المتفردة شكلا ومضمونا وأثرا، هي صاحبة المكانة الحقيقية المميزة والأثيرة داخل المجتمع الإنساني...
النخبة الثقافية حالة إنسانية بحثه لن نجد نظيرها في غيرها من النخب... لأنها المعلم الكبير في مسيرة الإنسان التائهة وهي تتلمس مقاصدها.
إن الذين يتقدمون الصفوف، ويقودون الجموع، ويقدمون الحلول، ويقترحون البدائل، ويزيلون الغبش الذي يغشى العيون، ويكشفون الزيف، ويرسمون للإنسانية سبيل خلاصها، وينيرون لها الدرب لكي تشق طريقها نحو الحلم، ونحو الأمل، هم النخب الثقافية الحقيقية والجادة داخل مجتمعاتها..
ولكن ... استدراكا لما اكتظت حياتنا به... ثمة معضلة...
ثمة فريضة تاهت عن مقاصدها.. لا أحد ينكرها .. لكن المعنيين بها، المفروضة عليهم عينا لا كفاية، عجزوا عنها، تقاعسوا عن أدائها، وبعضهم انصرف عن استحقاقاتها، لربما كانت لعنة التيه أصابت أرقى نخب المجتمع وأسماها... فلم يتبق معنا غير قبض الريح...
لم يعد أمام نخب الثقافة الجادين إلا الجلوس لطاولات المقاهي يندبون حظهم العاثر الذي ألقى بهم بين البراثن والمخالب التي لا ترحم، تظهر أنها تحبك وفي خلوتها تزدريك، تسمعك ولا تقتدي بما تقول... تنفضك عنها، وتنفض عنك إذا ما أثرت غضبها، وخالفت هواها استفزازا وانتقادا.
 
كل ما تبقى عندنا في حالة نخبتنا المثقفة مشهدية مهرجانية خطابية – مناسبتية -  يستعرض فيها الشعراء والأدباء والكتّاب والرسامون والمطربون والملحنون والراقصون وغيرهم ما فاض وبرز من مواهبهم في بازارات البيع والشراء، ثم ينصرف الجميع من حيث أتوا إلى حيث التأثير الحقيقي على حركتهم التالية.