قضايا و حوارات


كتب مدير التحرير
12 نوفمبر 2016 5:44 م
-
ليبيا وعبثية البزقلليف

ليبيا وعبثية البزقلليف

بقلم / عبدالمنعم اللموشي

عندما أتوقف متأملا مستعرضا في مشاهد سريعة ومتلاحقة ما يتناثر ويتدافع حولي في هذه البلاد، يصيبني الدوار،وشيئ من الغثيان، وينتابني الفزع والجزع، وأجدني استنجد بكل مفردات السماء علها تسعفني بحالة من الفهم والاستيعاب والاطمئنان.وهروبا من كل ذلك أقول أن لله حكمة في كل هذا.. وأن أقدارنا هذه التي سآتي على بعض منها سوف تذهب الى منتهاها حتى تحقق غايتها ومبتغاها.

خطف فتعذيب وقتل وانتقام، ومعارك وحروب ليست واجبة ولا هي مقدسة، وشتائم وسباب ولعنات تتطاير من كل حدب وصوب، وتهديد ووعيد، ومكائد ومؤامرات، وتحالفات، وغدر وخيانات، وتحشيد هنا وتربص هناك، واستعراض بقوة تظهر حينا وتختفي أحيانا، ووجوه بائسة ومكفهرة، ونفوس محطمة، وعويل ونحيب، واحتجاجات خجولة، وطوابير على المصارف، وخدمات بائسة، وسلع تموينية التهمتها الأسعار بارتفاعات مجنونة، والتجار الكبار يعبثون بأسعار اليورو والدولار هبوطا وارتقاء دون أدنى تقدير للمآسي التي تترتب على ما يفعلون... وتجار آخرون وصبيانهم مازالوا يجتهدون في تهريب ما يمكن تهريبه أو استنزافه من خيرات هذا الوطن حتى آخر قطرة..

المشهد مفعم بمتناقضات كثيرة، مرعبة في معظم صورها، مهجرون، ولاجئون، ونازحون، ومشردون، ومطاردون، وأغنياء جدد ،وفقراء جدد، ومقموعون، ومعتقلون، وجثتا مرمية في النفايات، أو على شواطئ البحر، أو مكومة في حقائب السفر، وفتية استبدلوا مقاعد الدراسة بمقاعد السلاح على سيارات الدفع الرباعي المسلحة بالقواذف والمضادات.....

المشهد في ليبيا لا يشي بخير، لا يوحي بأي شي يمكن ان يشكّل حالة من التفاؤل.. وما يثير وجعي هاته الاعناق المشدودة متطلعة بأمل خادع لحدث هنا او حدث يأتي خبره من هناك: طائرات تحوم في السماء، إطلاق رصاص، وحرائق، وتفجير بالمفخخات، وأشلاء ، واشتباكات بين ميليشيات على مقار ومصارف وغنائم تافهة، ومعارك في شوارع، وموانئ وحقول نفطية موعودة بتسليط القوة القاهرة عليها في أية لحظة، وجنرالات يتوعدون بعضهم البعض، وبارونات وأمراء حرب يقتاتون من الانتصار بالرعب، ومشائخ وأعيان يسارعون خطاهم الواهنة لإطفاء حريق هنا أو إسكات فتنة هناك.. وعبث يتضاعف ويتناسل كمتواليات هندسية تثير القرف والاشمئزاز.

الأحداث والشخوص تتراص وتتراكض في مسيرة هلع وطمع نحو كل شيئ مدمر ..كل شيئ يحيلنا الى البؤس واليأس والاحباط.

العالم الذي تسيطر عليه قوة على مستوى عالٍ من الدهاء والخبث والمكيدة يقابله عندنا مجموعات لاهثة من الصعاليك والبزقلليف لم يفلحوا الا في ارتداء البدل الغالية وربطات العنق والتسلح ببعض الكلمات الممجوجة تخفي بيادق وبغالا مقادة ومنقادة بغرائزها نحو هاويتها ومسالخها..

كل ما هناك اجتماعات ولقاءات وحوارات وتفاوضات ومساومات وتوازنات، وعواصم أوروبية تحسم أمورا كان حريا أن تتم في أصغر قرية ليبية،  لقد أشغلونا في ماراتوناتهم التي أرهقت الجميع وقطعت الأنفاس وعطلت الأذهان وأفسدت الألباب..

ليبيا ليست حالة عصيّة على الحل وليست ممنوعة من الأمل لكن نخبها وقياداتها ووطنييها مازالوا يتعثرون ويتكبكبون هنا وهناك ومازالت بوصلتهم تائهة عن قبلتها.

ببساطة كل ما يجري في ليبيا لعب وعبث واستهتار واستهانة بكل القيم وبكل الموجودين عليها، ولا أحد يهتم، لم أقل شيئا جديدا.. وأعتقد جازما أن الكل يعرف هذه الحقيقة...

بعد أن حصل ما حصل، وانهار نظام شاده رجل واحد، صار الكل يتطلع لجغمة النفط ماذا يمكنه أن يترع منها، وصار الكل يحلم بموطن آخر لم تسكنه لعنة هذا الوطن.

ورغم كل ذلك يظل هناك أمل.